(59)


أتى يوم عرس ميرنا ويحيي ، كان الجميع على أتم الإستعداد والمكان في غاية الأناقة والجمال.
تكفلت رنا بالإهتمام بالقاعة وديكوراتها ومريم تولت الإشراف على الطعام وأصنافه بالإضافة إلى قالب الحلوى الخاص DJبالعروسين ، اعتنت ماري بفقرات العرس من الـ
والمصور والتصوير وغيرها ، هدى كانت برفقة ميرنا طوال اليوم لتهدئ من قلقها وديما برفقتها بعد أن تولت مسئولية وضع المكياج الهادئ.
والدة ووالد ميرنا يشرفون على التحضيرات النهائية واستقبال الضيوف.
اجتمعت الفتيات في غرفة العروس التي تتحضر بها ، بدلن ملابسهن وبدأن في المزاح سوياً ، أخذت لهن والدة ميرنا العديد والعديد من الصور حتى تكون ذكرى لهذا اليوم السعيد.
ماري بحزن: هو إحنا كدا اتفرقنا ؟
مريم فزعة: ليه بتقولي كدا ؟
ميرنا وهي على وشك البكاء: كل واحدة بقى ليها حياتها وخلاص هننشغل عن بعض
نهرتها ديما: أوعي تعيطي أنا طلع عيني في المكياج دا ، دمعة واحدة ويكون ف خبر كان ، وبعدين ما تقوليش كدا إحنا على طول هنبقى سوا !
ماري: إزاي وإنتي ومريم ، وميرنا هتحصلكوا ، استقريتوا ف العين السخنة و أنا ورنا وهدى بس اللي هنا وطبعاً الولاد مش هيخلونا نعرف نتحرك ف حته !
رنا محبطة: هتوحشوني أووي
ديما بغضب: بس منك ليها ، هو إحنا هنروح بلد تانية ؟ ، ما إحنا ف نفس البلد وبعدين دي كلها ساعتين بالعربية
هتفت مريم بإنتصار: أنا عندي فكرة !
ميرنا: إيه هي ياختي ؟
مريم: إحنا نخلي الشقة بتاعت ديما اللي كنا بنتجمع فيها دي المقر بتاعنا وكل شهر يبقى في يوم نيجي فيه ونقعد سوا فيها
ماري: طب والولاد ؟
مريم: والولاد معانا وفيها إيه يعني ؟ ، حتى يبقوا صحاب مع بعض زينا ويتعلموا مننا
رنا بمكر: أو نسيبهم مع أبهاتهم عشان يعرفوا إحنا بنتعب قد إيه
ديما ضاحكة: يالاهوي ع الشر ، إنتي لسه شايلة الحكاية دي ف قلبك !
رنا ضاحكة: أومال إيه !
مدت مريم يدها قائلة: هنتعاهد على كدا ، عشان مافيش واحدة تكسل أو ما تجيش ...تمام ؟
وضعن أيدهن بالتوالي فوق يد مريم وقلن في نفس واحد: وعد
----------------
دنى شادي منها هامساً: تعرفي إنك حلوة أوي الليلة دي ، دا إنتي غطيتي على العروسة يا شيخة
نظرت له بغضب: ممكن تخليك ف حالك ؟
بعد أن قالتها تركته متجهة لتحية العروسين ، لاحقها مبتسماً في تحدي: ما أنا وراكي وراكي والزمن طويل يا لولو
وقفت تتحدث مع مريم دون أي ضغينة وكأنهما صديقتان عزيزتان ، ظل واقفاً على مقربة منها يتابع حديثها حتى أصبحت وحيدة.
قال بجدية معتذراً: أسف لو كنت غلطت ف حقك قبل كدا
نظرت له بشك ولكنها قالت: ما حصلش حاجه
تابع بإصرار: إنتي من شوية قولتيلي ، ممكن تخليك ف حالك ... مش كدا ؟
لبنى متعجبة: أيوه
شادي بجدية بينما عينيه تحمل إبتسامة: طب ممكن تقبلي إنك تبقي حالي ؟
حملت ملامحها كل علامات البلاهة وسألته بعفوية: نعم ؟
شادي موضحاً: ممكن تقبلي تتجوزيني وتبقي مراتي اللي هتشاركني حياتي ؟
---------------
جلست ميرنا تراقب زوجها وهي يؤدي فرضه ، كم شعرت بالرضا عن إسلامه وأن الله يحبها إلى درجة إحداث تلك المعجزة ، لقد عوضها الله صبرها خيراً ؛ فقد صبرت على فراق من أحبه قلبها ولم تفرط في دينها بل تقربت إلى ربها أكثر فهو وحده من يفهمها ومن يسبب الراحة لقلبها فجازاها الله بإسلام من أحبت لتقر عيونها وترضا ، لقد عوض عذابها بأن جعلها سبباً في إسلام معشوقها.
سلم منهياً صلاته و اقترب ليجلس بجوارها مبتسماً: بتبصيلي كدا ليه ؟
أجابته بإبتسامة سعيدة: مبسوطة إنك لسه متمسك بالإسلام ، أنا خوفت لبعد فترة تزهق وتسيبه
تنهد ثم قال بجدية: أنا ما اسلمتش من فراغ ، بالعكس أنا بحثت كتير ودورت أكتر لحد ما وصلت للقرار دا ، قلقك مالوش داعي لإني ما أسلمتش بين يوم وليلة
ضمتها بقوة: ربنا يخليك ليا ويدمها علينا نعمة
ضمها: أمين
ابتعدت فجأة قائلة بجدية: على فكرة أنا خارجة إنهارده ومش عارفة هأرجع إمتى
قطب حاجبيه متسائلاً: وهتروحي فين إن شاء الله ؟
أجابته إجابة مبهمة: مشوار
تنهد: طب خديجة ومحمد ؟
ميرنا ببساطة: خدهم عند بابا عبدالحميد أكيد هيفرح بيهم خصوصاً إنه بيحس فخديجة إنها تعويض ربنا عن مراته –الله يرحمها-
يحيي مبتسماً بحزن: فعلاً ، أنا كنت عايز أسمي البنت خديجة على اسمها والولد عبدالحميد على اسمه بس هو رفض وقالي أنا عشت طول عمري وخديجة مراتي هتيجي أنت وتخليها أختي
ميرنا ضاحكة: أيوه فسمينا البنت خديجة وسميت الولد محمد عشان يكون قدوته الرسول –عليه الصلاة والسلام-
يحيي: دي أمنية حياتي تكون بنتي قدوتها السيدة خديجة –رضي الله عنها- والولد قدوته الرسول –صلّ الله عليه وسلم-
- خلاص خليهم يروحوا عنده ، أهو يسلوه شوية بدل ما هو قاعد لوحده كدا
- أعمل فيه إيه بس؟ ، ياما إتحايلت عليه عشان يجي يعيش معانا بس هو اللي بيرفض
- معلش يا حبيبي ، هو بس عايز يفضل جنب ذكرياته مع مراته المفروض تقدر دا
- مقدره والله
- طب يلا بقى عشان تلحق تاكل لقمة قبل صلاة الجمعة
تجمعت الأسرة الصغيرة المكونة من يحيي وميرنا وأولادهما خديجة ومحمد حول طاولة الطعام قبل أن يرتفع أذان الظهر معلناً عن صلاة الجمعة التي يذهب إليها برفقة ابنه محمد الذي يبلغ من العمر ... ثلاثة عشر عاماً !
---------------
أغلق مصحفه قائلاً: صدق الله العظيم
ثم تلاه بدعاءه المعتاد ، لقد أخرج فكرة الزواج من عقله منذ زمن ، لقد قرر أن يبقى ما تبقى له من العمر في تعويض شقيقته عما فعله بها ، أصبح أحن على أولادها من والدهم نفسه ، في أوقات إنفراده يسجد لله يطلب غفرانه ومسامحته عما اقترفته يداه.
أقلع عن كل ما كان يغضب الله ، نقم على كل ما يسخطه الرسول –عليه الصلاة والسلام- ، يفعل ما يبيض صفحته أمام الله ورسوله يوم الحشر بل ويعلمه لأولاد أخته.
لقد تحول محمد تماماً ، ظل يعتني بوالدته حتى أتاها الميعاد ، وعادت روحها إلى ربها الكريم الذي لطالما أشتاقت لجواره.
---------------
من يراها يبتعد عن طريقها في هلع ، إنها إحدى مجانين هذه الحياة ، لقد غرتها الدنيا بشهواتها فكانت سبباً في نكبتها.
تركها المعلم حسونه فور سأمه منها ليتزوج غيرها وغيرها كما اعتاد أن يفعل ، حاولت الرجوع إلى محمد ولكنها لم تستطع إليه سبيلاً فلقد صانه الله من رؤيتها من جديد.
هامت على وجهها في الأرض ، تعرضت لكل أنواع المذلات وشتى أنواع الإستغلال.
ليس لديها من تلجأ إليه ولم تمتنع عن أذية من عرفتهم بلا استثناء ما دام ذلك يصب في صالحها ، تخلى عنها الجميع كما تخلت عنهم وضرتهم.
شعرها المتلبد من كثرة القذارة العالقة به ، ثيابها الرثة البالية ، جسدها المتسخ الذي كانت تتباهى به.
نهايتها كانت أن تقف في وسط الطريق تمتد يدها إلى حاوية القمامة بحثاً عن رغيف خبز يابس يسد جوعها.

لقد أصبحت القطط والكلاب الضالة شريكتها في تلك الحياة ، هذا إذا سميت تلك بحياة من الأساس.

0 التعليقات:

إرسال تعليق