الرئيسية / رزقت الحلال
إظهار الرسائل ذات التسميات رزقت الحلال. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات رزقت الحلال. إظهار كافة الرسائل
خاتمة الجزء الأول
جلست تأخذ أنفاسها في راحة فقد تعبت حتى جعلت أحمد
يستسلم للنوم، سحبت دفترها وقلمها من الدرج المجاور ومدت ساقيها على الفراش، لقد
عقدت النية على كتابة أجمل اللحظات التي جمعتها مع زوجها حتى تكون شفيعاً له لديها
وقت الخلاف.
لم تكن قد خطت فيه حرفاً زائداً عما قرأه حمزه قبل مدة
دون علمها، أمسكت قلمها متنهدة تريد أن تكتب القليل قبل أن يعاود أحمد الاستيقاظ
أو يقبل حمزه مطالباً بحصته من الطعام وخلافه من المتطلبات.
سمت الله وقبل أن تضع نقطة واحدة في الدفتر ارتفعت أصداء
رنين الجرس معلنة وصول حمزه إلى منزله، انتضت ملقية الدفتر والقلم على السرير،
تركض مسرعة لتفتح الباب وتسابق الريح التي ترسل صوت الرنين في أرجاء البيت قبل أن
يصل إلى مسامع صغيرها فيستيقظ حينها وبلا شك ستفقد عقلها أو ما تبقى منه على
الأقل.
فتحت الباب بملابس المنزل وشعرها متبعثراً حول صفحة
وجهها، وجدت حمزه قد قطب جبينه حالما رأها، دخل وأغلق الباب ونظر إليها بعينيه
اللتين تقدحان شراراً: إيه اللي إنتي عاملاه ف نفسك دا ؟؟
نظرت لملابسها لتعلم سبب إنفعاله، وجدت بقايا تجشؤ أحمد
على كتفها إثر وجبته ونومه، أسرعت تبرر: معلش يا حبيبي يظهر وأنا بأنيم أحمد أتكرع
على كتفي
لم يتحرك قيد أنمله قائلاً بغضب يوشك على الإنفجار: مش
قصدي على كدا .. قصدي دا منظر تفتحيلي بيه الباب ؟؟
رفعت إليه رأسها وكزت على أسنانها غيظاً: معلش أصلي
معرفش إنه جانبك عايزني أفرشلك الأرض ورد وألبسلك بدلة رقص
حاول عدم إظهار إنفعاله بسبب غضبه وأكتفى بقول: رجليك
باينه وشعرك .. ودراعاتك كمان .. عرفت إنك بتربي عضلات، لازم كل اللي طالع واللي
نازل يعرف يعني ؟
أدركت أن سر حنقه هو الغيرة من أن يراها غريباً بهذا
الشكل، استدركت الموضوع وسألته بهدوء كأن شيئاً لم يحدث: أجهزلك الأكل ؟
أجابها متجهاً إلى الغرفة: لو مافيهاش مضايقه يعني ..
هأغير هدومي وأجي
دخل إلى الحجرة وبدأ في نزع ملابسه حتى لاحظ دفتر
مذكراتها الذي حفظ شكله عن ظهر قلب ملقى بإهمال على الفراش، استشفى أنها كانت
تمسكه قبل قدومه ورمته بسبب رنين الجرس، قلب صفحاته فوجد أن حرفاً واحداً لم يكتب
منذ أخر مرة قرأ سطوره فأعاده إلى مكانه على وعد بالعودة إليه في وقتٍ لاحق ..
ألقى نظرة سريعة على ملاكه الراقد في سرير يجاور سرير والديه، ابتسم بحنان وأنصرف
يزيح عنه عناء ومشقة العمل بقطرات من الماء.
وقفت تُعد له الطعام وتضعه في الصحون وإبتسامتها الجذلة
لا تنزاح عن شفتيها، كلما غار عليها كلما اشتدت سعادتها ووثقت بحبه أكثر، تذكرت
كيف كان وكيف أصبح الآن، إنه يحاول أن يصبح كالزوج الذي تخيلته دوماً إن لم يكن
أفضل، لقد داوم منذ عادا من شهر عسلهما على قراءة الكتب الدينية متفقهاً في دينه
ليكون قدوة لأولاده مستقبلاً.
كان يتلمس مواطن الخير ويفعلها بل ويشاركها فيها حتى لا
يزيد أجره عن أجرها في شئ، كل شهر كان يبدأ في ممارسة عادة جديدة لتصبح من روتين
يومه فأولاً بدأ بصلاة السنة التي كثيراً ما كانت تتكاسل عنها .. لحقها قيام الليل
ومؤخراً شرعا في الحفاظ على صيام يومي الإثنين والخميس.
يقترب من الله خطوة ويرسخ أقدامه بها ثم يسحبها إليه حتى
لا يهتز أحدهما، ليس هدفه أن يظلا سوياً لعدة أعوام بل أن يكملا حياتهما معاً في
العالم الأخر بالفردوس حيث لا نهاية أو فراق، ظلت تردد الحمد على لسانها حتى أنتهى
من طعامه وانصرف إلى كتابه يكمل قرأته.
تحججت أن وراءها بعض الأعمال المتعلقة برعاية أحمد
وانسحبت إلى غرفتها، أمسكت دفترها لتخط بسرعة خواطرها؛ فهي تعلم إن لم تكتب ما في
بالها الآن فلن تكتبه أبداً ..
" ربي غفرلي .. لا ورزقني
بالحب الصح .. حب بجد
زوج صالح بيصحى الصبح على أدان الفجر
يغضب مني لو مرة فاتت عني صلاة العصر
أو كسلت أصلي الفرض
يجبلي كل يوم مصاصه وبونبون
لو زي الشطار صومت معاه كل كام يوم
*
-هشششش
أوعى حد
يقولوا مكان الشــــــــ
-يا حيــــــــــــــــاه
-أيوه يا سي حمزه
-فين خبيتي الشبشب ؟؟ فيه ناس نفسها تتشبشب
-ليه بس يا روح قلبي وضي عينا ونوري وشمسي
قوام خرجني من تحت الكرسي ومسك ودني وقالي:
-ليه ما قرتش الورد يافندي ؟؟؟
*
والرقية الشرعية
دي كل ليلة واجب مفروض
ويبدأ عليا شغل شيوخ .. يسرح ويعيش ف الدور
*
-طب والسبحه ؟!
-خلاص ماهو سابها
صوابعي عليها بقى بيسبح
*
كل ليلة أصحى على صوته بيدعي
إنه يعينه على حبي ويقدر يسعدني
فجأة ألاقيني بأبكي بعيني وأدعي بقلبي
ربي عنه ما تفرقني
*
-راحت فين ؟؟.. تاهت مني!
-إيه هي.. مالك يا بَدرِي!
-دي الطرحة السوده المنقطة زهري
-قصدك دي ؟؟
دي مش طرحة حبيبتي .. دي نقاب يا قلبي
روحي شوفي غيرها .. تداري شعرك مش منه تبين شعرة وخصلة!
*
-وإيه دا كمان ؟؟
-دا يا حبيبي فستان !!
-لا والله ؟؟ .. دا من غير كومام!
-هألبس عليه يا عيوني بوليرو
-يا قلبي دا ما ينفعوش لا شال ولا حتى كاب
-طب والعمل ؟
-رووووحي غيري .. بدل ما أفتح دماغك الهباب
وأضربك بالقبقاب!
*
الله أكبر الله أكبر
تكبيرة الصلاة والوقت أهو أزف
لا .. دا مش مسجد .. دا حبيبي بينادي
أصله وقت القيام خلاص دنى
عن إذنكوا بقى أنا ..
ألحق أتوضا وأقف وراه قبل ما يبدأ يتلو القرآن
يرضيكوا يناجي ربنا لوحده ويسبني وحيدة مني للشيطان ؟؟
صحيح قبل ما أنسى ..
دا حلالي .. بعلي حبيبي
أغلقت دفترها تلحق بصلاة القيام خلف زوجها، وبعد عدة
ساعات عندما تأكد من نومها، فتش عن دفترها حتى وجده، فتحه ليقرأ الكلمات، تبسم في
سرور وأمسك القلم الموضوع بجواره وكتب لها بخطه المنمق الجميل عبارة دق لها قلبها
عندما رأتها بعدها بأيام عندما عاد بينهما الجدال والكثير من المناوشات فأسرعت
تضمه تخبره عن حبها متناسية أنه هو من أخطأ في حقها .. فيكفيها أنه خَطَ لها ...
" إني رُزقتُ حبها "
تمت بحمد الله الجزء الأول .. إلى الملتقى مع الجزء الثاني
17-4-2015
الفصل الثاني والعشرون
أرجعت رأسها للخلف تُسندها إلى ظهر الأريكة، تناولت زهرة
كفها تربت عليه بحنان والشفقة تملئ عينيها، لا تقدر على قول كلمات لن تقدم ولن تؤخر فقط ستزيد عذاب قلة
الحيلة إلى عذاب أختها.
تنهدت نجلاء بحزن: لسه حابس نفسه ف أوضة الضيوف ؟
ردت عليها حياه محدقة في السقف: زي ما هو، خمس شهور ع
الحال دا لحد ما خلاااص حاسه إني بأتخنق بالبطئ وإن فيه حبل حوالين رقبتي كل يوم
عمال يضيق زيادة
زهرة مواسية: جوزك يا حبيبتي ولازم تصبري .. أكيد هتفرج
عن قريب
وجهت نجلاء حديثها إلى زهرة: هو صحيح اللي ما يتسمى دا
مات ؟
تشهدت زهرة: أيوه .. مات .. الرصاصة دخلته ف غيبوبة
مافاقش منها ..
أشاحت نجلاء بيدها: أحسن .. ربنا ينتقم منه .. ويكون
مكانه النار ف جهنم
لامتها زهرة بهدوء: ربنا العالم باللي عملوه وهو العدل
اللي هياخد الحق من الظالم ويرجعه لصحابه
ثم أضافت مخاطبة حياه: عرفتي أنه كان بيهرب أثار ؟
نظرت لها حياه وقد أتضحت أمامها معالم الأمر: عشان كدا
كان عندنا ف سوهاج !
شهقت نجلاء: يعني مش قواد وقتال قُتله بس لا وكمان مُهرب
.. ربنا ينتقم منه
اعتذرت حياه من شقيقتها: أنا أسفة أوي يا زهرة على
اللغبطة اللي عملنهالك ..
ضحكت زهرة بهدوء وغمزتها: يظهر مش إنتي السبب ف عدم
جوازي لحد دلوقتي زي ما محمود كان بيقول .. شكلي أنا اللي فقرية ههههه
لم تقدر حياه على الإبتسام لكنها شكرت أختها لعدم
تحميلها الذنب فيكفيها بل ويفيض تحميل حمزه عليها، انتبهت لبقية الحديث: ع العموم
جوازنا كمان شهر ونص .. كل الحكاية بدل ما كنت هنكتب الكتاب وبعدين الفرح هيبقى
كله في يوم واحد ..
سألتها نجلاء: إنتي وعصام هتتجوزوا ف يوم واحد ؟؟
ابتسمت لها زهرة: أيوه .. أخوات بقى وكدا هههههه
بادلتها نجلاء البسمة: ربنا يتمملكوا على خير
- آمين يا رب
سألت حياه عن حال سمية فأجابتها نجلاء حزينة: على طول ف
أوضتها يا تعيط يا تقرا قرآن وهي بردو بتعيط ...
أشفقت على حال الزوجة المنكوبة: ربنا يصبرها
نهضت نجلاء: أنا هأروحلها بقى .. من ساعة ما مات بابا –الله
يرحمه- وأنا قاعدة معاها في البيت وبأحاول أقنعها تيجي تقعد عندي بس مش راضية
خااااالص .. وأنا قعدت البيت دي تعبتني .. شايفة بابا ف كل حته حوليا .. أعصابي مش
قادرة تستحمل
طمأنتها حياه: مسيرها تهدا وتطلب بنفسها أنها تيجي معاكي
.. أول ما تقتنع أنه مش راجع تاني
ودعتها الأختان، أبلغت زهرة شقيقتها أن عصام على وشك
المجئ ليقودها إلى منزلهم فوالدها قد أختل نظامه ويرفض تناول الدواء كما أن الحمل
زاد على عائشة كثيراً.
ألتمست حياه لها العذر وجلستا تتكلمان حيناً وتصمتان
أحياناً، أتى عصام وجلس يطمئن على أحوالها وحاول رؤية حمزه ولكن لا حياة لمن
تُنادي، عقب مغادرتهما قررت الإطمئنان على حال زوجها.
وقفت على باب غرفة الضيوف التي أنتقل إليها بعد العزاء؛
هاجراً إياها يحملها ذنب ما حدث، كيف لا وقد كان شادي بعد إصابته يلفظ بأنه كان
يريد قتلها هي لما سببته لدمار في حياته، لقد دافع عنها والد زوجها، متلقياً الرصاصة
عوضاً عنها وعن ابنها.
جالس على سجادة الصلاة يمسك مُصحفاً بين كفيه تالياً
آياته في صمت، جلست أمامه على الأرضية بصعوبة لأن بطنها المنتفخ ذات الشهور
الثمانية أو تتخطاها بعدة أيام قد أعاقت حركتها.
لم يلتفت أو يشعرها بأنه انتبه لوجدها، ألمها ذلك لكنها
صممت على إنهاء هذا الوضع في هذه اللحظة بأي شكل ومهما كانت العواقب.
بدأت الحديثة محدقة به: حمزه .. أنا فاهمة إحساسك .. صعب
أوي تكون متجوز وعايش مع واحدة تحت سقف بيت واحد وهي السبب ف موت والدك –الله
يرحمه-، مش هأقول أنا ماليش ذنب .. لإني كفايه أوووي إني أنا اللي دخلته حياتكم
بدخولي فيها، كان لازم أفهم إنه أنا غلطتي اللي غلطتها ف لحظة طيش غبي هتفضل لازقه
فيا طول العمر وهأفضل عايشه ف نتايجها لحد ما أموت .. عايز تحملني الذنب أنا مش
هأمنعك .. بس ما تعملش ف نفسك كدا .. حالتك دي بتوجعني أكتر من بعدك عني .. فوق من
اللي أنت فيه .. لو عايز تطلقني أنا موافقة ولو عايز ترجعني لأهلي وتفضلي معلقني
من غير طلاق بردو موافقة ولو عايزني أفضل هنا وأعيشخدامة تحت رجليك بردو موافقة بس
ما تعملش ف نفسك كدا .. أبوس إيديك
تناولت كفه تقبله لكنه سحبه بعيداً، وضع المصحف جانباً
وجذبها إليه يضمها ويمتص حزنها: أنا مش مشيلك الذنب .. أنا عارف أنه دا قدر ومكتوب
لكن الأسباب هي اللي بتختلف، هو مكتوبله أنه يموت ف الساعة دي خلاص هيموت سواء
بطلقة رصاصة أو عربية معديه أو أزمة تحصله فجأة .. أنا بعدت عنك مش لوم عليكي ..
دا عشان تقصيري نحيتك
رفعت عينيها المملؤة بالدمع: تقصيرك إزاي؟ .. مش فاهمة
تنهدت مخرجاً ما اعتمر بداخله: والدي –الله يرحمه- هو
اللي قدر يحميكي ويحافظ على حياة ابننا، عرفة يعني إيه كل ما أتخيل إنه لولا إنه
أدخل كان زمانك وقتها واقعة بين إيديا غرقانة ف دمك وأخسرك إنتي وابننا من غير ما
يكون ف إيدي حاجه ؟؟ .. صعب أوي إنك تحسي إنك المفروض راجل والمسئول عن حماية
مراتك وابنك وف الأخر ما تقدرش تعمل دا ... حسيت إني بأموت
تحسست وجنتيه الخشنتين بسبب تركه لذقنه دون حلاقه لعدة
أيام، قالت بحنان يغمره الحب: أديك قولتها .. دا مكتوب .. مكتوب إنه الحكاية دي
كلها تحصل وأنا وابننا نكون بخير .. حتى لو جات فينا ما كناش هنتأذى لأنه ربنا لسه
أمرلنا بعمر .. ما تلومش نفسك يا حمزه، أنت لو كنت تعرف عمرك ما كنت تتأخر ف
حمايتنا أنت سيد الرجاله ف عيني .. أنا أصلاً ماعرفتش الأمان إلا معاك .. لما
شوفتني أنا ومي مي لما كنا بنتخطف .. أنا كنت مرعبة بس لما شوفتك عرفت .. أطمنت،
اتأكدت وقتها إنك مش هتخلي حد مننا يداسله على طرف وهتلحقنا .. بعيداً إننا قدرنا
نهرب .. وإني وقتها كنت لسه مش طايقاك بس دا كان موضوع مفروغ منه بالنسبه لي
ضمها أكثر إلى ضلوعه: ربنا رزقني بيكي .. ولحد دلوقتي مش
لاقي طريقة مناسبة أشكره بيها
سحبت نفسها على مضض: هتاكل ؟ .. أنا جعانه أووي وابنك
جعان خالص بس اتفقنا مش هناكل من غيرك
قهقه وتحسس بطنها شديد الإنتفاخ بالنسبة لوضعها الطبيعي:
وأنا كمان هأموت م الجوع
نهضت مستندة على طرف الفراش متمهلة: بعد الشر .. دقايق
ويكون الأكل جاهز
انصرفت فيما نهض هو يضع المصحف في مكانه ويطوي سجادة
الصلاة بتأني، وصل إلى مسامعه صوت تحطم الأطباق تلاه صراخ عالِ من حنجرة حياه.
أسرع راكضاً إليها وقد اعترتها حالة من الفزع لا مثيل لها.
وقفت مستندة إلى أحد الكراسي الموضوع في المطبخ تقبض
عليه بشدة بينما يديها الأخر تمسك بطنها، كان هناك سائلاً يشبه المياه يتساقط من
بين ساقيها، رفع عينه إلى وجهها جاحظاً عيونه: هو في إيه ؟؟
قوست شفتيها لأسفل وترقرق الدمع بمآقيها وتجعد وجهها
مبدياً أنها على وشك البكاء: أنا شكلي بأولد يا حمزه ... عااااااا
وتلت الصرخات هذا التصريح، لم يتوقف إلا بعد خروج الطفل
الصغير للحياة عبر والدته حياه، تمت تسميته أحمد ليصبح كالرسول الكريم –صلّ الله
عليه وسلم- وكذلك ذكرى من جده أحمد الذي كان أكثرهم اشتياقاً لمقابلته وتعليمه كل
ما يخص الحياة لكن شاء الله .. ألا يرى الجد حفيده.
***
لثم وجنتها سريعاً فقد شعر بتعجلها في الذهاب، ترجلت
مسرعة ودلفت عبر البوابة، أخفض رأسه قليلاً يقرأ ما كتب على اللوحة المعلقة "
جمعية أحمد العربي الخيرية " ثم ما كتب بخط أصغر أسفلها " صدقة جارية عن
روح صاحبها أحمد العربي" اتسعت إبتسامته فخراً بزوجته، فلقد أنشأت هذه
الجمعية بعد وفاة والدها متمنية أن تكون الولد الصالح الذي تركه والدها على الأرض
فيكون سبباً بإرتقاءها إلى أعالي درجات الجنان.
وقفت مبتسمة في منتصف الحديقة حتى تجمهر حولها الأولاد
منتظرين الحلوى التي تسببت في إنتفاخ حقيبتها كما اعتادت، بعد إنتهاءها من التوزيع
توجهت إلى مكتبها تباشر عملها ومراجعة الملفات.
لقد شجعتها حنان على الفكرة بشدة فهناك في بلادنا العديد
ممن يحتاجون العطف والحنان قبل المساعدة المادية، نمت في رأس نجلاء الفكرة بعد أن
ذكرتها حنان بفؤاد أعمال الخير .. لكن ما جعلها تحزم أمرها هو موت والدها فكررت أن
تضرب عصفورين بحجر واحد وقررت أن تكون هذه الجمعية هي صدقة جارية عن روحها.
استغرقت في الملفات ودراستها حتى لم تشعر بوصول حنان
وأفاقت منتفضة على نغمة حنان الرنانة في طرق الباب، شهقت فزعاً: حرام عليكي خضتيني
جلست أمامها قائلة: بعد الشر عليكي يا بطة من الخضة
سألتها عن
الساعة، فأجابت: الساعة أربعه
ضربت جبهتها بمؤخرة كفها: يااااه .. دا الوقت سراقني
نظرت حنان إلى الأوراق المتكدسة أمامها: ربنا يعينك على
عمل الخير كمان وكمان
- يا رب .. أومال ميّ فين ؟
- بتلعب برا مع صحابها الجداد .. ما شاء الله عليها قدرة
غير عادية في تكوين الصداقات
- ربنا يخليهالك ويحميها .. وحشتني أوي .. وماما نفسها
تشوفها جدااا
أشارت إلى عينيها: بس كدا؟؟ .. م العين دي قبل العين دي
.. خلاص إحنا عازمين نفسنا عندكوا الجمعة الجايه .. بس هي مامتك عامله إيه دلوقتي؟
تنهدت مرتاحة: الحمدلله أحسن من الأول .. كفايه أنها
وافقت أخيراً تيجي تعيش معايا أنا وفادي في بيتنا .. بعد ما تعبت أعصابها في البيت
بتاعها وذكرياتها مع بابا –الله يرحمه-
شاركتها حنان الأسى: مع الوقت هتقدر تفوق أكتر من كدا
ثم هتفت بحماس: صحيح البيه أحمد الصغير أخباره إيه ؟؟
ضحكت نجلاء على سيرته: اسكتي دا مطلع عينها .. دا أنا
تقريباً ما بقتش بأكلم حياه عشان ما أسمعش عياطه وصريخها هي هههههههه .. ماما
بتقول عليه نسخة طبق الأصل من حمزه وهو صغير سواء في الشكل أو في التصرفات .. وهو
يسمع كدا من هنا وتبقى الأرض مش سايعاه م الفرحة
قهقهت حنان: وهو يهمه إيه ؟ .. مش بيروح يلاقي أكله جاهز
وهدومه نضيفه ومكويه والبيت زي الفُل والواد نضيف وبيلمع
أيدتها نجلاء بشدة: فعلاً معاكي حق
تحولت نبرة حنان إلى الجدية: صحيح قبل ما أنسى .. فيه
مأوى عندهم عدد زيادة ومش عارفين يودوهم فين لأنهم مش لاقين مكان فاضي .. لو عندك
مكان زيادة ممكن نخليهم يجوا هنا ؟؟
تناولت نجلاء أحد الملفات من الدرج المجاور لقدمها وبعد
أن درسته قليلاً أومأت موافقة: فيه أربع أوض لسه فاضيين .. وإن شاء الله على أخر
الشهر هنبدأ نحول الجزء اللي ورا المبنى اللي فاضي دا لجناح زيادة يوسع المكان
فرحت حنان بشدة لهذه الأخبار واستأذنت تحادث مدير المأوى
ليرسل ما فاض لديه من أشخاص يحتاجون المساعدة، شعرت نجلاء بسلام داخلي، فقد عوضها
هذا المكان عن فراغ يومها ومشاعر الأمومة الفائضة لديها ولن تستطيع إشباعها إلا أن
تصبح أماً للذين فقدوا أمهاتهم كالأطفال الراكضين بالحديقة خارجاً.
***
في محافظة بعيدة وعلى وجه التحديد محافظة السويس .. وقفت
بملابسها المعتادة التي تكشف مفاتنه وتبرزها، مالت قليلاً وسألت المساعد الأقرب
إلى رئيسها: هو البوص فين يا رامز ؟
تأمل جسدها بجوع واضح لكنها لم تعره إهتماماً فقد أصبحت
تلك النظرات بلا قيمة من كثرة ما تعودت عليها، أجابها بتمهل واضح حتى يجعلها تقف
أمامه لأطول فترة ممكنه: هيكون فين يعني؟ .. جوا ف مكتبه
سارت بدلال وجسدها يتلوى كالأفعى التي يعزف لها صاحبها
على المزمار لتخرج من مخبأها، دفعته بظهر كفها ليتنحى عن طريقها، طرقت بخفة على
باب الغرفة ثم دفعته ودخلت.
حدقت إلى الرجل الواقف أمام النافذة يتابع حركة السفن
فوق الميناء، اقتربت منه وعقدت ذراعيها حول خصره ووجنتها تستند إلى ظهره.
سألته مستفسرة: بتبص على إيه ؟
دون أن يتزحزح أجابها: بأبص ع الشحنة واتأكد إنها وصلت
...
بعد فترة صمت؛ انتصبت معتدلة في وقفتها وأدرته إليها
تحدق في عيونه لتعلم صدقه من كذبه، سألته: مالك؟
تنهد وأجابها بصراحة وبدون مواربه: حياه ولدت
لوت شفتيها غيظاً: وأنت مالك ومالها ؟؟ .. ما تولد
رفع حاجبيه في استياء: مالي إزاي؟؟ .. إنتي نسيتي هي
تبقى مين واللي جابته دا يبقى مين ؟
أومأت متفهمة ما يقول: لا أنا عارفه كويس هي مين .. بس
اللي باستغرب له أنت واهتمامك الزيادة أوي بيها دا
وضع يديه في جيوبه وسألها بصوت بارد كالثلج: ممكن
توضحيلي فين الإهتمام الزايد دا ؟
وضعت يديها فوق خصرها: خليت شادي يبطل يطاردها ويسيبها
من غير ما تاخد العقاب اللي أنا وأنت عارفينه .. أمرتني إني أهربها وأهرب معاها
قبل ما شادي يعمل معاها حاجه تانية .. وأخرهم ..
أشارت إلى نقطة ما في صدره وقد جعلت أصابعها على شكل
مسدس: بوووم .. أخدت رصاصة ف صدرك وكنت هتموت .. عشان تفاديها وما تجيش فيها يوم
ما شادي أتجنن وهجم عليكوا ف سوهاج ..
أنزل يدها بعيداً عن صدره: قولتلك مية مرة أنا عملت كدا
ليه .. حياه دي تبقى مرات ابني وكمان كانت شايله حفيدي في بطنها .. عايزاني أسيب
واحد متخلف زي شادي دا يموتهم بسهولة كدا ؟؟
لوت شفتيها باستهزاء: تقوم تعرض حياتك للخطر ؟؟
قابل استهزاءها بسخرية: ما سمعتش عن المثل اللي بيقول
"أعز من الولد .. ولد الولد" ؟
عدلت ياقة قميصه بدون داعي متلكئة: يعني ولد الولد هو
السبب ولا ...
نفر منها غاضباً عندما أدرك تلميحاتها الملتوية: إنتي
أتجننتي باين يا نيفين !، دي مرات ابني .. بلاش الأوساخ اللي ف دماغك دي .. ابني
أتجوزها يعني شرفها بقى من شرفي وشرفه
اقتربت تحاول إمتصاص غضبه بدلالها: معلش بقى يا دودوي ..
ما أنت عارف يا أحمد أنا بأحبك قد إيه .. وأما صدقت خلصت من مراتك الأرشانه دي ..
أكتفى بأن أدار لها ظهره حانقاً لما لقبت به زوجته، هو
يحب سمية بل ويعشقها لكنه متأكداً أنها إذا علمت بحقيقته البشعة ستبتعد عنه وتنبذه
فقرر هو الإنسحاب محافظاً على ماء وجهه.
لقد تم حجزه في العناية المركزة لدخوله في غيبوبة امتدت
يومان، أفاق طالباً من الممرضة ألا تخبر أحداً باستيقاظه وأعطاها رقم رامز حتى
تهاتفه ليأتي إليه فوراً وذلك بالطبع مقابل مبلغاً من المال.
أتى رامز يُلبي نداءه بسرعة، اتفقا على أن يُشاع نبأ
وفاته فلقد أتت أخبار مؤكدة ببدأ الشك فيه وأن الشرطة قاربت على كشفه وسيقضي ما
بقى له من عمر في غياهب السجون.
سقط في الغيبوبة مجدداً فلم يستطع رامز فعل شئ سوى إنتظار
إفاقته مرة أخرى، أفاق بعدها بحوالي عشرة أيام، أعطى مبلغاً لا يُستهان به إلى
الممرضة لتصرف جميع من يربضون أمام بابه وتخبرهم في الصباح خبر وفاته، أحضر رامز
جسد رجل يشبهه في العمر والبنية العامة بعد أن نقد أهله الأموال الكافية لإغلاق
أفواههم، نُقل إلى مستشفى في السويس بواسطة عربة الإسعاف فيما عائلته تبكي منكوبة
لفقدانه بسبب شخص لا يساوي شيئاً.
ظل في المشفى حتى قبل أسبوعين فقط، وأثناء غيبوبته قام
رامز بدفع بعض الرجال لقتل شادي الذي أصابه طلق ناري نتيجة دفاع الغفير في منزل
فاروق عن الموجودين .. يعلم أن شادي ذاك قد رأى وجهه قبلاً، ولمح نظرت الدهشة
والذعر ممزوجتين داخل مآقيه فكان الحل الأسلم هو موته ليُبقي هو على حياته وحريته،
لقد حاول التخلص من بإبلاغ الشرطة عنه وعن مقر الدعارة الذي يديره لكنه استطاع
النجاة، فبدلاً من الإكتفاء بحبسه أصر على الموت ولفظ أنفاسه الأخيرة.
لقد أتجه إلى هذا الطريق ليوفر لزوجته المعيشة التي تليق
بها، لكنها أبداً لم تكن لتتفهم ذلك فهي ستقبل أقل مستويات العيش مادام من مشاريع
مُباحة وأموال مشروعة.
كان ما يقلقه دائماً هو تخيله لرد فعلها إذا علمت بوجهه
الأخر، أُضيف إليها حفيده الصغير الذي أسموه تيمناً به، سخر من ذاته مفكراً .. إذا
اكتشفوا بقاءه على قيد الحياة وخداعهم كل تلك السنوات سيصرون على إبقاء الصغير
يحمل اسمه؟
أحمد الصغير .. حفيده، يجب أن يبتعد عن الأعين وألا يتم
القبض عليه ليراه يكبر حتى توافيه المنية، أكثر ما يجعله متمسكاً بحريته وحياته
الهاربة هذه هو ذاك الطفل .. قطع عهداً على نفسه أن يذهب ويراه في أقرب فرصة تُتاح
له.
تزمرت نيفين من تجاهله لها، لكنها تدرك أيضاً أنه إذا غرق بأفكاره إلى تلك
الدرجة فهذا لا يعني إلا أنه لن يفيق لنفسه أو لمن حوله إلا بعد مرور مدة طويلة
ليس لها مدى فانسحبت من الغرفة بهدوء.الفصل الواحد والعشرون
السعادة تشع من عيونهم جميعاً فرحة بالخبر الأكيد، ضمت
سمية ابنتها في حب باكية ولسان حالها لا يتوقف عن حمدالله والثناء على رحمته بهم.
سمية بفرحة لا مثيل لها: الحمدلله كما ينبغي لجلال وجهك
وعظيم سلطانك
ما تزال نجلاء لا تصدق صحة الوضع: أنا لحد دلوقتي مش
مصدقة .. يعني خلاص كدا رجعت زي الأول وما بقاش فيه داعي للكيماوي ولا الجلسات ؟؟
أحاط فادي كتفيها بذراعه: وأحسن م الأول كمان .. الدكتور
قال إنه كان صغير وف بدايته لكن كان ضاغط على منطقة حساسة في المخ وأي تدخل جرحي ف
وقتها كان فيه خطر على حياتها فما كانش فيه حل قدامه غير الكيماوي والحمدلله جاب
نتيجة
صاحت سمية بزوجها: لازم يا أحمد ندبح أضحية بسبب الخبر
دا .. لازم نفرح الناس معانا
أومأ أحمد مؤيداً فكرتها: ما تحمليش هم، أنا هأتفق مع
الجزار اللي كلمناه على أضحية العيد عشان يعمل حسابه ف عجل زيادة
ضحكت نجلاء: أول مرة أشوف ناس بتحجز أضحية العيد الكبير
قبل العيد الصغير ما يجي أصلاً
نظرت لها أمها معاتبة: يا بنتي دا فاضل أربع أيام بس على
رمضان .. والوقت بيفوت بسرعة .. كمان كدا أحسن عشان الجزار يدينا حاجه نضيفة مش أي
حاجه والسلام ..
تناول فادي يد حماته مقبلاً إياها: كل سنة وإنتي طيبة يا
ماما
ربتت على كتفه بحنان: وأنت طيب يا حبيبي .. عقبال كل سنة
وإحنا متجمعين يا رب
بارك لأحمد كذلك قبل أن يعتذر هو ونجلاء التي بررت: معلش
بقى مضطرين نستأذن عشان كنت واعده حياه أمر عليها .. أطمن عليها هي والبيبي ..
قهقه فادي على الذكرى: دا أحمد طلعان عينه من الوحم بتاعها
.. ربنا يصبره
ابتسم أحمد بسعادة: هههه كلنا لها .. هو لسه شاف حاجه ..
التقيل لسه جاي
قطبت سمية حاجبيها: قصدك إيه يا أحمد ؟؟
تنحنح مستدركاً ما قاله: قصدي كل خير يا حبيبتي ..
نهضت نجلاء واقفة: كلها شوية وتعدي فترة الوحم .. هي لسه
ف التالت
ساندتها والدتها فيما قالت ثم ودعتها تدعو لها بدوام
الصحة والعافية، اقترح عليها أحمد أن تصلي ركعتين حمداً لله الذي تتم بفضله النعم.
وافقته ونهضت تتوضأ ثم تصلي تدعو بقلبها قبل لسانها أن
يسعد ابنتها وابنها، أن يسعدا ولا يشقيا في حياتهما ويظلون بقرب الله مهما كانت
وطأة المصاعب ودهسات الحياة.
***
وقفت نجلاء بشرفة منزلها تحجب حزنها، لقد أخبرت جزءً من
الحقيقة لعائلتها لكن قلبها لم يطاوعها بكسر فرحتهم بالبقية، يكفي أن قلبها يتصدع
ألماً فقد أكد الطبيب بعد إنهاءه قراءة التقارير والتحاليل الطبية أن أي أمل لها
في الإنجاب قد ذهب أدراج الريح.
اقترب منها فادي وضمها من الخلف صامتاً، استدارت إليه
وبدأت الحديث مخفية تمزقها مما تقول لكن انجلى أوان الأنانية: عايز تتجوز؟ .. مش
هأمنعك ولا هأقف ف طريق سعادتك .. أنا كنت الأول بأفضل أفكرك بأفضال بابا عليك
علشان تفضل جنبي وتحس إنك مديون ليه وليا .. كنت بأعمل كدا وأنا كارهة نفسي بس كنت
عايزاك جنبي بأي شكل .. لكن دلوقتي .. بعد ما عرفت أنه الحياة أقصر بكتير من إني
أضيع عليك تعيشها أو تحقق أمانيك فيها .. فأنا بأخليك من أي وعد وعدتهولي قبل كدا
.. هأفرحلك لما تشيل ابنك من واحدة تانية وهأتمنالك السعادة
لم تشعر بالدموع تهبط من محابسها، فيما استعر الغضب
والغيظ بداخله، أمسكها من كتفيها بقوة: اسمعي الكلام دا كويس لإنه ماعادش عندي
استعداد إني أعيده تاني .. أنا ما فكرتش أبقى أب أو يكون عندي ولاد إلا لما إنتي
حبيتي الموضوع وكان نفسك فيه .. دا أنا حتى ما كنتش أتخيل نفسي هأبقى متجوز خصوصاً
ف الوقت اللي إنتي ظهرتي ف حياتي فيه .. وأظن إنك فاكره كويس حالتي كانت إزاي ..
وقد إيه أحوالي المادية والنفسية كانت زي الزفت .. بس ربنا وقتها بعتك ليا نجدة من
السما .. لحد دلوقتي بشكره ف كل وقت عليكي .. والولاد ما فكرتش فيهم غير عشان إنتي
هتبقي أمهم .. لكن لو واحدة تانية يبقى شكراً .. إنما لو حابه تخلصي مني وخلاص ..
وعماله تدوري على حجه فكدا بقى موضوع تاني
ابتسمت سامحة لبواقي الدمعات بالولوج إلى فمها: أتحجج ؟؟
.. أنت عارف قد إيه كنت بأموت من جوا وأنا بأقولك روح أتجوز وعيش مع واحدة تانية
؟؟ .. أنا قولتلك هأتمنالك السعادة وهأفرحلك بس دا كلام وقت ما خرج عرفت فعلاً إني
مش هأقدر أنفذه .. بص أنا أبطل أنانية ف كل حاجه .. إلا فيك وف حبي ليك
أحاط كتفيها بذراعه ودفنت هي وجهها في عنقه تشتم رائحته
المحببة إلى قلبها، همس لها مبعداً خصلات شعرها: يعني مش هنفتح الموضوع دا تاني؟
.. اتقفل خلاص؟
أومأت صامتة تستكين بين يديه، بعد فترة هدوء عذب: عارفه
.. في حاجات أجمل من الولاد
نظرت له متعجبة: إيه الحاجات دي ؟
ضحك: الشيخ حمزه قالي عليها ف مرة .. قال الله –سبحانه
وتعالى- "المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك
ثوابا وخير أملا" .. يعني أه أحلى حاجه ف الدنيا الفلوس والولاد بس دول حاجات
في الدنيا أكتر منهم ف الأخرة .. يعني الولد ممكن يطلع عاق .. وقتها مش هيبقى زينة
لحياتك وممكن الفلوس دي تضيع ف لحظة .. لكن الباقيات الصالحات دي هتفضل موجودة لحد
يوم الحساب
عضت شفتها السفلى قاطبة حاجبيها: أنا فاكرة إني سمعتها
قبل كدا بس مش قادرة أفتكر فين .. هي إيه الباقيات الصالحات ؟
تخلل شعرها بأصابعه باسماً: دي أذكار زي .. سبحان الله،
الحمدلله، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله .. وغيرهم أو
الأعمال الصالحة اللي بتعمليها
كأنها انتبهت فجأة، حدقت به بشك: أنت قولت حمزه هو اللي
قالك الكلام دا ؟؟
أومأ ضاحكاً: يظهر أنه أخته استعجبت لحالته أكتر مني
شخصياً هههه
سرحت بنظرها بعيداً متمتمة: فعلاً حاله انقلب .. بقيت
لما أشوفه ابتسم مهما كانت حالتي النفسية مش مظبوطة .. فيه حاجه اتغيرت .. بس ما
أقدرش أنكر إنها للأحسن
وافقها بشدة: من ساعة جوازه من حياه وهو اتغير .. ويمكن
من ساعة ما عرفها كمان
أضاف: دا كفايه حركة كارت الدعوة اللي عملتها دي .. عليت
ف نظري جامد
حدقت في وجه زوجها لحظات قبل أن تنفجر ضاحكة، سألها
متعجباً عن سبب تلك النوبة، أجابته: أصلي افتكرت الدبابيس والبينز اللي وزعتها في
الفرح .. حاجه مسخرة الحقيقة ههههههه
أمسكت معدتها التي ألمتها من قوة الضحكات: تصدق قابلت
عمو عبد الرحمن من كام يوم لما روحت لماما وبابا .. قالي أشكرله حياه جداً على
الدبوس بتاعه لحد ما يقابلها عشان هو بقى حاطه ف جيبه دايماً وكل ما يحط إيده فيه
يطلع يقراه يضحك ويحمد ربنا
ابتسم فادي: هي كانت كتباله إيه ؟
قهقهت بشدة وقالت
بصعوبة: كتبتله "إحمد ربنا لتجيك حاجه ف الكِله"
شاركها: أنا بردو
شايل البين بتاعي وكل ما أشوفه أضحك .. كتبالي "ما تقولش والنبي دا شرك يا
مفتري"
كادت تسقط أرضاً
من الضحك، هتفت: دا على كدا بقى أنا عاملتني باحترام شوية ؟
سألها: وإنتي
كتبتلك إيه ؟؟
انفجرت ضاحكة:
"سيبي المواعين لبعد الصلاة يا فوزية" ههههههه
مرت عليهم عدة
دقائق لا يستطيعان وقف ضحكاتهما، وبعد مرور تلك النوبة وعودة تنفسهما للإنتظام
قليلاً طلبت نجلاء من زوجها: أبقى فكرني لما نروحلهم المرة الجايه .. أخد منهم سي
دي الفرح .. لما شوفته حبيته أوي .. خصوصاً الصور اللي أخدهالكوا بولا وأنتوا
بتصلوا .. حلوة أوووي .. أنا أخدت منها نسخة للصورة دي وحطتها في الألبوم عندي
ضحك فادي: ولا
التسجيل لجرجس وهو بيتكعبل في سلك المايك بعد الصلاة أما جه ينزل هههههه كل ما
أشوفه أسخسخ على روحي م الضحك
تنهدت بقوة:
يااااه، ساعات بأتمنى إني كنت أعرف حياه قبل ما أعمل فرحي عشان يبقى بالحلاوة دي
غمزها مغيظاً:
خلاص نعمله من تاني .. بس ما أوعدكيش تبقي العروسة .. لازم تغيير بردو
ضربته بقبضتها
الصغيرة في كتفه بقوة مما جعله يضحك، ضمها إلى صدره مقترحاً عليها أن يُسبح على
عقلات أصابعها .. ذاكراً بعض الأذكار من الباقيات الصالحات، ثم تتناوب معه وتسبح
على أصابعه هي الأخرى.
عندما رأى سعادتها
باقتراحه وأنها أوشكت على القفز من السعادة تأكد من نصيحة حمزه له، إن طاعة الله
وتشاركها مع من أحب تحول أصغر الأفعال إلى أفعال لا تُقدر بثمن .. لأن أجمل
المشاركات دون مبالغة هي المشاركة في التقرب إلى الله ونيل رضاه.
***
استأجر الجميع باصاً صغيراً ينقلهم إلى سوهاج؛ فإن الأيام الأولى من رمضان تجعل القطار لا يطاق من شدة
الزحام .. فهناك من يجلس أسفل مقعد وأخر لا يجد بُداً من الجلوس فوق حقيبة سفرك
دون حتى طلب الإذن، هذا عدا الرائحة التي لا تطاق واستمرار الأطفال في ركضهم من
عربة إلى أخرى متخذينه حديقة الأزهر دون مراعاة أن الناس إكلينيكياً بدأوا
بالتساقط من فرط الإختناق وعدم وصول الأكسجين الكافي إلى أنسجتهم.
تتقزز من رائحة العرق التي تحاوطك، وفي تلك الأوقات لا
يوجد فرقة بين الدرجة الأولى وعربة نقل البضائع .. والرجل الذي يقطع التذاكر يلتزم
الصمت يكتفي بقطع التذاكر مدركاً أن أقل كلمة اعتراض ستتسبب في إلقاءه من نافذة
القطار أثناء سيره.
المكيف .. ليس له داعِ، ففي تلك الأوقات مهما كانت قوته
لن يؤثر في أعداد الأنفاس التي تتزايد ولا تقل، وكأنه يشعر بالإختناق فيكتفي
باللهاث كل عدة دقائق.
فضل الجميع السفر سوياً مستأجرين الباص وأخذ استراحة على
فترات أثناء الطريق، لقد أصر فاروق على دعوتهم جميعاً إلى الإفطار في اليوم الأول
من شهر رمضان الكريم، كما أن قران زهرة سيعقد اليوم؛ فبعد طول إنتظار وصبر رزقها
الله بمن أرضى نفسها.
أثناء الطريق أرتفع أذان المغرب معلناً موعد كسر الصيام
وبل الريق بشق تمرة أو قطرات مياه، فيما تخرج سمية زجاجات المياه التي اشترتها من
الاستراحة الأخيرة، كان هناك رجال يقفون بالطريق ويلقون بأكياس داخل السيارات
المارة ويقولون مهللين "كل سنة وأنتوا طيبيـــن".
كانت عبارة عن أكياس من مختلف أنواع العصائر، فكانت
مجموعة تلقي بعصير البرتقال وأكياس بها ماء، وبعد مسافة تُلقى أكياس أخرى من مشروب
التمر الهندي وعصير المانجو .. وأكياس من التمر الجاف.
ابتسم الجميع فرحين بتلك الأشياء الصغيرة، تركوا ما
أحضروها جانباً وبدأوا في تناول تلك العصائر، أخبرهم السائق أن هذه هي العادة طوال
شهر رمضان بالأخص في بدايته حيث يشق على البعض الصيام أثناء السفر ويصمونه البعض
منصاعين لكن الخوف من عدم الحصول على الماء أو ما يشق الصيام كان يقلقهم فأصبحت
العادة أن يقفوا على الطريق ويهبون تلك العصائر للمارين، عوضاً عن موائد الرحمن
لمن لا يستطيع تحمل تكلفتها.
قهقه السائق متذكراً أن أحد السائقين لم يكن دينه
الإسلام فتوقف وأعاد إليهم الأكياس لكنهم أبوا ذلك مبررين أنهم يمنحونها لمن كان
صائماً أو فاطراً من المسلمين فما ضير غير المسلم .. ثم أخبروه أن هذا رزقه وتلك
أخر الأكياس لديهم فليشربها هانئاً.
وصلوا إلى منزل عائلة حياه حيث استقبلهم فاروق بترحاب
شديد كعادته، كان الجميع في إنتظارهم حتى يتناولون الإفطار سوياً كما كانت في
صحبتهم عائلة خطيبة عصام وخطيب زهرة الملقب بجلال وأسرته، مُدت الموائد في الحديقة
وانفصل الرجال عن النساء في الطعام.
كانت طاولة النساء معهن الأطفال واقعة في الحديقة كذلك لكن
جزء من جدار المنزل يحجبها عن طاولة الرجال بحيث يستطعن رؤيتهم والعكس غير ممكن.
أتخذت السيدة الكبار جانباً من الطاولة يتحدثون في شتى
الأمور ما بين الأولاد ورعايتهم وزواج البنات الوشيك وخلافه من أحاديث، فيما طغى
المزاح والمناوشات الصيبيانية بين الفتيات الأصغر سنناً في الجانب الأخر.
ضحكت خديجة خطيبة عصام: ياااه أنا مش مصدجة نفسي .. كلها
كام شهر وألاجيكي بتمشي تدألچي
شاركتها نجلاء: هيبقى منظرها تحفة
ضيقت حياه عينيها بغيظ: ما تبس يا بت إنتي وهي .. دا إيه
الاستفزاز اللي ع الفطار دا
سألتها عائشة: يا بنتي كنتي فطرتي أحسن .. الحمل لوحده
وبيبجى متعب أنا كان طالع عيني .. إزاي مستحملاه ويَّا الصيام ؟؟ ..
ابتسمت لها حياه: أنا كدا مرتاحه والحمدلله الدكتور قالي
عادي بس ما أرهقش نفسي زيادة وأقلل المجهود وقت الصيام وهأبقى تمام .. أضيع أجمل
شهر في السنة ليه بقى ؟؟ ..
تدخلت شقيقة
جلال الصغرى "سعاد" وقد كانت تعرف حياه من المدرسة رغم أنها تصغرها
بثلاث سنوات: ما ممكن تعوضي الصيام دا ف وجت تاني بعد الولادة
ابتسمت لها حياه إبتسامة حالمة: دا جمال الصيام إنه
بيبقى ف رمضان وسط اللي بتحبيهم وتجمعيهم وإنتي عارفة أنه الشياطين محبوسين
والملايكة محاوطينك وبيدعولك
تمعنت بها شقيقتها: بس لونك مخطوف وشكلك تعبان ..
طمأنتها باسمة: ما تخافيش هو بس عشان طريق السفر مش أكتر
وهأبقى كويسه
ابتسمت سعاد: ربنا يجومك بالسلامة
- الله يسلمك يا حبيبتي .. عقبالك
تعالت ضحكات نجلاء فجأة مما أدى إلى استغراب الجميع
وسؤالها عن السبب فردت غير قادرة على إيقاف ضحكاتها: كل ما أتخيل شكل حياه لما
بطنها تكبر شوية ما أعرفش ليه بأشوف شكل خِله بالعه زتونة
قهقه الجميع، علقت خديجة مازحة: أو عرسة عندها إنتفاخ
بردو هههههه
أشارت عليها نجلاء بإبهامها: أيوه صح
دافعت عنها عائشة: حرام عليكوا .. هو بمزاچنا يعني .. دا
حمل تَجيل وواعر جوي
كزت حياه على نواجذها: سيبيها يا عيشه .. أنا سايباها
بمزاجي
ردت عليها نجلاء بغرور: ولا تقدري تعملي حاجه يا أوختشي
أخرجت لها لسانها: أوختشي؟ .. إنتي كنتي شغاله صبي رقاصة
قبل كدا ولا إيه ؟؟
قهقه الجميع، ضيقت نجلاء حدقتيها: إيه الكلام اللي من
أيام الحرب العالمية دا ؟؟
ردت سعاد هذه المرة ضاحكة: عالمية ولا عالتالتوميه
ضربات حياه كفها بكف سعاد مشجعة: حلوه دي ههههه
غرق الجميع في نوبات من الضحك، استمر المزاح والمداعبات
حتى رُفع الطعام وأعلن الأذان على موعد صلاة العشاء، قرر الجميع الصلاة في المسجد
وعقد القران بالمسجد حيث ستصلهم الأصوات من مكبرات الصوت فالمسجد ليس ببعيد، ثم
يتوجهون إلى صلاة التراويح.
فيما يتوافد الناس عقب الصلاة؛ النساء إلى المنزل
والرجال إلى المسجد يحضرون العقد ويطلقون النيران في الهواء فرحين مهللين.
وقفت حياه بين ذراعي زوجها تعيد ضبط وضعية الجلباب فوق
أكتافه والعمامة التي أكسبته مظهراً رجولياً لا تتخطاه العين، مضيفة إلى بنيانه
قوة وإلى جسده جلد وقسوة.
همس لها باسماً بخبث: عارفه بأتخيل إيه ؟
ابتسمت: إيه ؟
نظر جهة بطنها وقال: لما الحمل يظهر وتبقي شبه البندا
كدا وأجي وأقولك بكل رخامة وغلاسة وسماجة "إيه ياخواتي القمر ده .. أنا بايني
أتجوزت فيل"
أغاظتها مزحته جداً لكنها قررت رد الكيل له ثلاثاً،
داعبت صدره من فوق القماش قائلة بدلال: عارف ساعتها أنا هأقولك إيه يا حبيبي ؟
اتسعت إبتسامته متوقعاً رداً أشد غيظاً: إيه ؟
وضعت يدها فوق خصرها وضيقت عينيها متمتمة بغيظ: لو مش
عاجبك طلقني !
ضرب يدها لتسقط عن خصرها وصفع رأسها من الخلف قائلاً
بجدية وثقة: جاتك طلقة ف نفوخ اللي يكرهوكي ..
ثم غمزها بمكر: ما تجيبي بوسه أبت
غرقت في الضحك وقد استغرقهما المزاح حتى إنهما لم يشعرا
بالجلبة التي حدثت من خلفهم، فجأة ارتفعت طلقات النيران في الهواء، تلتها جثة سقطت
عند قدمي حياه، استقبلت سقوطها أمام عينيها بصرخة مدوية وغرقت الأرض بدماء الضحية.
ركض الغفر يلحقهم محمود وجلال ليلقوا القبض على من بدأ
المهاجمة فلم يكن سوى شادي وقد أصيب إصابة بالغة أفقدته الوعي.
أسرع فاروق يأمر عائشة بالإسراع في طلب الإسعاف بينما
أنحنى عصام بجوار الجسد الممدد أرضاً يفحصه ويتأكد بأنه مازال على قيد الحياة.
ترقب الجميع إقراره، ارتفعت التنهيدات فهو يتنفس وهناك
أمل كبير لنجاته، بكت نجلاء تضم والدتها المصدومة وتقوم رغبة عينيها في النظر إلى
جثة والدها المسطحة فوق الأرض بإنتظار وصول سيارة الإسعاف لتنجده.
***
حضرت أمام طليقها بملابسها القاتمة حزناً على موت جدتها
قبل شهرين فيما تُكَذب حاستها السابعة المتنبأة بسبب مجيئه وطلبه الحديث إليها على
إنفراد، أطمئنت على انشغال ميّ بألعابها ثم عادت إليه مترقبة.
باغتته بسؤالها: كنت عايزني ف إيه يا خليل ؟
تناول رشفة من كوب الماء الموضوع أمامه فوق الطاولة ثم
تنحنح: أنا قررت أطلق منال ..
حدقت به رافعة حاجبيها: وليه كدا ؟
تخلل أصبعه بين عنقه وياقة القميص في توتر: مش مرتاحين
وخناقنا زاد الفترة الأخيرة
استفسرت متوجسة الإيجاب: أوعى أكون أنا أو ميّ السبب ف
دا !
هز رأسه بالنفي: لا .. هي اللي أتغيرت ف أخر فترة وكأنها
أتحولت واحدة تانية
قوست شفتيها شفقة: ربنا يصلح بالكوا ويهدي سركوا .. اصبر
وما تستعجلش .. يمكن تكون فترة وتعدي على خير وترجع زي الأول وأحسن كمان
قطب حاجبيه فلم يكن هذا رد الفعل الذي كان بإنتظاره، ظن
أنها ستفرح لخبر إنفصاله، لم يتردد ودخل في الموضوع الأساسي لمجيئه: أنا عايز نرجع
لبعض تاني يا حنان
أغمضت عينيها فقد صدق حدثها، بعد صمت فتحت عينيها وحدثته
بهدوء: وأنت فاكر إني ممكن أرجعلك تاني بعد كل دا ؟
كز على ضروسه: وليه لا ؟
حدقت به متعجبة من شدة غروره، أيظن أن بعد ما فعله بها
وتركه لها في أشد المواقف صعوبة أن تعود له عقب إنقشاع الغمة ؟!، أجابته محافظة
على هدوءها: خليل .. أنت سبتني ف عز حاجتي ليك .. رمتني ورا ضهرك ولا أكني كنت
مراتك ولا تعرفني .. كل اللي ربطنا كانت ميّ لما اختفت بعدت ولما رِجعِت رجعت ..
ما عملتش حساب للعشرة ولا للحب اللي كنت واهمني بيه .. يمكن ربنا ابتلاني بفراق
ميّ عشان اكتشف حقيقتك .. أنت أسست حياة جديدة مع منال وجبت منها بنت .. ربنا
يخليهالكوا
نظر إليها غاضباً: يعني بترفضيني يا حنان؟
أومأت بثقة: أيوه
اتهمها: عشان الدكتور اللي ساكن قصادك مش كدا ؟
تعجبت من مقصده فلم يحدث بينها وبين الطبيب أي إحتكاك
يدل على أن هناك أكثر من الجيرة يجمع بينهما، أجابته محاولة إمتصاص غضبه: لا مش
عشان حد .. بص يا خليل .. بعد ما أنت سبتني ف وقت لسه ما كنتش فوقت فيه من صدمتي
بفقدان بنتي .. أنهرت .. بس لما فوقت لنفسي أخدت عليها عهد إن أيامي اللي جايه
هتبقى عشان ألاقي بنتي وأيامي بعد أما ألاقيها هتبقى عشان أربيها وأعوض شوقي ليها،
يعني لا أنت أو غيرك هأتجوزه ..
لوى شفتيه هازئاً: يعني قررتي تترهبني ؟
لم تعجبها نبرته لكنها لم تظهر ذلك فأجبته: أحسبها زي ما
تحسبها .. بس دا قراري
عاد يستفزها: معقولة هتعيشي من غير جواز ؟
حدقت به تستشف هدفه: وليه لا ؟ .. ما أنا قبل ما أتجوزك
كنت عايشه .. وبعد ما سبتني لحد دلوقتي لسه عايشه .. لا نقصت حاجه من غيرك ولا زدت
حاجه بيك
عبر عن سخطه: طب وأما أنا وجودي زي عدمه ف حياتك كنتي
إتجوزتيني ليه ؟
ابتسمت بثقة: عشان أجيب ميّ .. تقدر تقول قدر
رد بحدة: يعني ف رأيك الراجل مالوش لازمة .. وإن حياتك
كاملة من غيره مش كدا ؟؟
إن ضيق أفقه لشديد فكيف لم ترَ ذلك قبلاً .. أجابته: لا
أنا ما قولتش كدا .. بس عدم وجوده ف حياتي مش هيخليها معضلة .. هيصعبها شوية لكن
مش هيدمرها .. وزي ما فيه بنات عايشين من غير أزواج فيه رجاله عايشين من غير زوجات
..
رجعت نبرة الاستهزاء إلى صوته: طب ما دام حضرتك تقدري
تعيشي لوحدك .. والراجل يقدر يعيش لوحده .. كنا بنتجوز ليه .. ولا بنحتاج بعض ليه
؟
أجابته كما تجيب على أسئلة ميّ تماماً، هادئة مسيطرة:
عشان استمرار الحياة والنوع ما ينقرضش .. دا كمان أمر ربنا إعمار الأرض .. بس فيه
اللي ما بتتوفرلوش الفرصة دي فبيعيش لوحده من غير شريك .. الحياة وقتها مش بتبقى
سهلة وبردو مش مستحيلة ..
انتبه لكلماتها وأرهف السمع: إزاي ؟
- الراجل ربنا خلقه بصفات معينة سواء جسدية أو نفسية ..
الصفات دي بتساعده على التعامل مع الناس بره والشغل وإنه يشيل ويحط .. يستحمل
البهدله والمرمطه .. يعني على طول تسمع إنه فلان كان بيشتغل مثلاً عامل في البنا
وكان بيشيل طوب لحد ما وصل وبقى عنده شركة أو محل بيبيع أدوات بنا، لكن عمرك ما سمعت
عن واحدة ست كانت بتشتغل شيال !
بس ف نفس الوقت الست ليها دورها وماحدش ينكره .. طعم
الأكل من إيديها بيبقى ليه مذاق خاص .. لا تقولي شيف ولا نص شيف .. وبالدليل أنت
لحد ما بتتجوز بتبقى بتدور على أكل مامتك .. وأنت مسافر بتبقى عايز تدوق الأكل من
إيديها .. هو ما أقدرش أنكر إنه فيه رجاله فعلاً ما شاء الله عليهم نفسهم حلو أوي
ف الطبخ .. بس مالهومش صبر .. إلا لو كان شغل ومجبر عليه .. وصاحب المطعم أو
المطبخ اللي بيشغله كمان بيبقى مجبر عليه غالباً .. لإنه الست أصلاً طفشانه من
بيتها بسبب الطبيخ لما تفكر تشتغل هتشتغل ف الطبيخ بردو ؟؟ .. ما أظنش .. هي ليها
لمستها الخاصة ف كل حاجه، مش ساعات تدخل شقة تقول دي شقة عازب .. وتدخل نفس الشقة
بعد ما صاحبها يتجوز وتشوفها مختلفة تماماً ؟؟
أومأ في صمت فتابعت: دي بقى لمستها كأنثى .. بتدي روح
وبهجة .. بدل ما التربيزة منورها الريموت وفوقيه بنطلون ما أتغسلش م العصر الحجري
.. تلاقي مفرش وعليه بوبيونيرة .. أو فازة مليانه ورد .. الستارة لونها ماشي مع
السجادة .. مش سجادة خضرا على ستارة تركواز .. بغض النظر إنك ممكن تلاقيها موضة
اليومين دول عادي .. دا غير تربية الأولاد بقى والصبر على دا ودا والأسئلة اللي
مالهاش أخر .. اللي بتبقى محتاجه صبر وطولة بال ..
أخذت نفساً عميقاً قبل المتابعة: الزوج أو الأب .. بيشيل
حمل برا ومشاكله .. والأم أو الزوجة بتشيل أحمال جوا .. بس مش يا كله برا يا كله
جوا .. اللي بيقولوا الراجل عليه كل حاجه برا والست عليها كل حاجه جوا .. أو اللي
يقولوا الراجل عليه نص برا (شغله) ونص جوا (بيته) والست كذلك، يبقى غلطان ومش فاهم
حاجه .. هما الإتنين مسئولين عن برا وجوا بنسبة ما ينفعش تتحدد، اللي يقدر يحددها
طبيعة الحياة بين الزوجين وصفاتهم .. يعني مثلاً واحدة عندها خادمين .. هيبقى النص
اللي جوا طار ؟ .. طب والزوج العاطل إلى حين ميسرة بردو نصه اللي برا طار ؟؟ ...
"وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة" .. بتيجي منين
عظمة الست ؟ .. في إنه لما يرجع مخنوق تبعد عنه العيال ومشاكلهم .. الكهربا اللي
فاتورتها جايه عالية والزبال اللي ما جاش والواد اللي عايز درس .. وتطرطق ودانها
وتسمع مشاكله بدون ما تديه حل .. أو تديه لو قدرت توصل لحاجه .. ساعات اللي برا
المشكلة بيقدر يحلها أكتر من اللي جواها .. دا غير التشجيع والتحفيز .. القوة
الداخلية اللي بتديهاله .. تحول له السور العالي لمنط صغير يقدر يعديه
نظر إليها محتداً: يعني أنتوا اللي بتعملونا بقى .. مش
كدا ؟؟
ابتسمت بهدوء فسنوات تعليمها للأطفال بالمدرسة أكسبتها
الجلد: بأقول "رجل عظيم" .. يعني هو أصلاً عظيم بس محتاج كتف تسنده ..
أصل لو هو غبي ولا ما عندوش القدرة أنه يعدي عمره ما هيعدي .. أصلها "امرأة
عظيمة" أيوه .. لكن مش ساحرة وسوبر ومان يعني ..
شرد بعيداً وتحدث لنفسه ولكن بصوت مرتفع: معنى كدا أنه
حياتك كاملة ومرتاحة
زفرت: لا مش كاملة .. ماحدش حياته كاملة .. وإلا ما كانش
الواحد أتمنى الجنة –اللي فيها الكمال الحقيقي- لكن لو قصدك الكمال الدنيوي اللي
ما أقدرش أسميه كمال بالمعنى الحرفي فيمكن معاك حق .. ما أنكرش إنه حياتي هتبقى
صعبة بس فيه ميّ هتصبرني عليها
باغتها بسؤال أعاد عليها الأوجاع: أنا عارف إنك بتحبي
الأولاد معقولة هتكفيكي ميّ ؟؟ إنتي كان نفسك ف دستة ع الأقل من حبك فيهم
ابتسمت إبتسامة لم تصل إلى أذنيها شاردة: ربنا يخليلي
الأطفال في المدرسة وميّ عندي بالدنيا
تحولت لهجتها للجدية الباردة: واللي أنت ما تعرفوش أنه
مابقتش أقدر أخلف تاني
لاح الفزع على ملامحه بقوة كادت تُفجر عروق وجهه: إزاي
يعني ؟
كادت أن تطبق على عنقه لتفتك به علّ ذلك يُثلج قلبها:
بعد سنة ونص من طلاقنا .. الدكتور قالي أنه فيه ورم على المبايض .. بس كان بيطور
بسرعة وكان فيه اشتباه أنه يتحول لورم خبيث .. الدكتور ساعتها اقترح عليا إننا
نعمله استئصال .. بس لأنه كان كبير استئصلوه مع المبيض .. ومابقتش أقدر أخلف
زاغت عيونه بعيداً لا يدري ماذا يقول أو يفعل، فهمت سبب
ذلك؛ هي تعلم أنه كان يرغب بالأطفال الكثر يحيطونه بعد وفاة أخيه الأصغر في حادث
قبل لقاءها به بعدة سنوات وهي لن تستطيع تحقيق أمنيته فأراد التراجع عن عرضه.
لوت شفتيها اشمئزازاً: روح صالح مراتك وخليك مع بنتك هدى
وميّ موجودة ف أي وقت تحب تشوفها أهلاً وسهلاً .. هأقوم أجيبلك حاجه تشربها عقبال
ما تقعد مع ميّ شوية
نهضت وتركته متجهة إلى المطبخ إثر منادتها لابنتها حتى
تُجالس أبيها، وجدت سعدية تقوم بغسل الصحون فهتفت بها مستنكرة: أنا مش قولتلك ما
تعمليش حاجه ؟؟ .. ما بتسمعيش الكلام ليه ؟
هزت سعدية كتفيها مكملة عملها: دول طبجين بس يا ست حنان
.. يعني مافيهاش تعب .. دي حتى چمايلك مغرجانه .. دي حاچه بسيطة يعني .. مش جد
المجام
ربتت حنان على كتفها: معلش تعبتك وخليتك تسيبي عيالك
عشان تيجي تقعدي معايا لحد ما يمشي .. هو بصراحة فاجأني أنه جاي ف الطريق وما كنتش
عارفه أعمل إيه .. وأنا لوحدي كدا .. تيته -الله يرحمها- وفتون نقلت شقة مع ممرضة
زميلتها في المستشفى اللي شغالة فيها
ابتسمت لها سعدية متفهمة: ما چراچش حاچه يا ست حنان ..
دي كلها ساعة هيحصل فيها إيه يعني ؟؟
بان الأسى على ملامحها وهي تهزأ دخلها؛ إن تلك الساعة
التي تستهين بها قضت على حلم أولادها الكثر وإجبارها على الإكتفاء بميّ، إن ساعة
واحدة حرمتها من الأمومة مرة أخرى.
أعدت العصير وخرجت تضعه أمام خليل، كان يلعب مع ابنته
بنصف عقل، كرهته لأنانيته بشدة ولولا وجود ميّ كرابط أبدي بينهما لرفضت رؤيته مرة
أخرى بما أشعله داخلها من تقزز.
نبهته بنبرة قاسية ترفض النقاش: بعد كدا لما تحب تشوف
ميّ أبقى استناها تحت أنزلهالك .. قضوا اليوم سوا برا .. عشان بقيت لوحدي وما يصحش
تجيلي هنا
أومأ محافظاً على شروده ليس لديه الرغبة في المناقشة أو إرسال نظرة حنق،
تنهدت حنان مترقبة وقت انصرافه على أحر من الجمر.
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)
